العيد 46 لتأسيس المركز التربوي وتكريم الموظفين المتقاعدين

كلمة رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء

الدكتورة ندى عويجان

في العيد 46 لتأسيس المركز التربوي وتكريم الموظفين المتقاعدين

الأربعاء في 20/12/2017 – مطبعة المركز – سن الفيل

 

 

"لو لم يكن موجوداً لكان علينا إيجاده". بهذه العبارة، يطفئ المركز التربوي للبحوث والإنماء شمعته السادسة والأربعين، مواصلا بذلك مسيرة عطائه المستمر، ونضجه المثمر الراسخ في خدمة التربية.

من هنا، نرى المركز التربوي يستعمل كل ما عنده من إمكانيات بشريّة ومادّية للقيام بمهامه. وسيظلّ ملتزماً، بلا رجوع، عصرنة المناهج التربوية من خلال تطوير مناهج مرنة ورشيقة وتفاعلية، طريقاً إلى تنمية الإنسان والمجتمع. وتبقى تنمية المتعلّم اللبناني ثروتنا الفريدة ورأسمال لبنان الأوّل في التنمية المستدامة. وسننتقل إلى "خطّة ترسيخ الإنماء التربوي المستدام"، والانخرط في أساليب جديدة للتدريس من خلال نظام يحدد دورا جديدا للمدرسة في بناء جيل جديد من المتعلّمين، يكونون شركاء في بناء معرفتهم وتحديث مهاراتهم، ومن ثم شركاء في بناء الوطن الذي نريد والجيل الذي نعتزم إعداده. ما يعني أننا بصدد خطة بعيدة المدى تؤسس للشروع في تطبيق نظام تربوي متكامل، له مرتكزاته الفلسفية وأبعاده الوطنية وأهدافة الإنسانيّة والقيميّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة، تتشارك في بنائه مؤسسات التعليم العام التربويّة، والتعليم العالي والتعليم المهني والتقني لبناء المواطن والوطن، وارساء الرخاء الاجتماعي، وتلبية حاجات سوق العمل لمهارات جديدة ومعاصرة.

 

لذا، فإننا منفتحون على كل الإسهامات البنّاءة لرفد هذه الورشة الكبرى، لننطلق بها بكل شجاعة وإقدام وعقل منفتح، لوضع مناهج قيميّة، تحض على التفكير والتحليل والبحث والإستناج والتعلّم مدى الحياة، وتحرر المتعلم من دوره كمستهلك للمعرفة لتجعله شريكا ومنتجا لها.

 

وتصويبا للأنظار على أهميّة فهم دور المركز التربويّ في قيادة عمليّة تطوير المناهج، ومسؤوليتّه في إرساء الشراكات اللازمة، والتنسيق مع المرجعيّات التربوية في القطاعين الرسمي والخاص على الصعيدين المحلي والدولي، وعلى ادراك دوره الريادي في تطوير التربية في محيطه العربي، وفي محيط كوني أوسع تتعاظم فيه تحدّيات إدارة الاختلاف والتنوّع، لا بد في البداية من التنبّه الى اسمه "المركز التربوي للبحوث والإنماء" الذي تكمن في داخله غاية انشائه، والذي يدل الى أولى مهامّه:

 1) الأبحاث والإحصاءات التربوية.

 2) الانماء التربوي من خلال الخطط التربوية واللجان العاملة في حقل التخطيط.

 3) المناهج الدراسية (بما في ذلك إنتاج الكتب المدرسية والمنشورات والوسائل التربوية، وإقرار نمط أسئلة الامتحانات الرسمية ومتابعة أعمال اللجان الفاحصة).

 4) التدريب لجميع العاملين في جميع مراحل التعليم وحقوله (ما قبل الجامعي) مع اقتراح الشروط الواجب توافرها في المرشّحين.

 5) اقتراح الشروط الفنيّة والصحيّة الواجب توافرها في الأبنية المدرسيّة والتجهيزات التربوية.

 6) القيام بأعمال التوثيق التربوي وتنظيم مكتبة تربوية مركزية.

من مهام المركز التربوي أيضا، تشكيل فريق بحثي مختص، واصدار مجلّة محكّمة، وكل عمل تربوي يصبغ بالإبداع والأفكار والانجازات. كما واجراء اختبارات لأي جديد يُقترح إدخاله في المنهج من حيث المحتوى وطرائق التعليم والتعلّم وأسس التقويم، قبل تعميمه على الصعيد التربوي الوطني. ففي مختبرات مراكز الأبحاث التربوية تُبنى النماذج التربوية الجديدة، وتخضع للتجريب والتقييم والتعديل، قبل أن تُنشر وتوضع في مرمى التدريب والتطبيق.

فتطوير المناهج لا يُرتجل، بل يُبنى، ويُحصّن في مراكز البحث التربوي، وتوضع له أطر مرجعيّة وموارد ووسائل وأدلّة تربويّة، يتدرّب على استخدامها المشاركون في هندسة المناهج وصياغتها، وترجمتها إلى كتب وأنشطة ورقية ورقمية.

وتجدر الاشارة أن "الأبحاث التربوية" و"مشروع الاحصاء التربوي الشامل"، المنوطة بالمركز التربوي، تشكل حجر الزاوية في كلّ إنماء تربوي. لأن جمع المعطيات عن الواقع، وعمليات التشخيص والتحليل والتخطيط والاستشراف، والقدرة على المبادرة، والتفكّر في الشأن التربوي بعقل بارد محلّل، ناقد، لتحريك الركود التربوي، تمهيداً لكلّ عمل تغييري، واستكمال عمليّة النهوض والإنماء في المجال التربويّ، لا بد أن تبدأ من البحث العلمي.

 

معالي الوزير،

أيها الحضور الكريم،

أمام هذه المهام الضخمة التي سبق ذكرها، يعاني المركز التربوي من شغور في مجلس الأخصائيين وفي فريق العمل الدائم من حيث العدد والاختصاصات المتعددة والجديدة، ومن نقص في التجهيزات في جميع المكاتب والدوائر والاقسام. فعلى مدى سنوات عدّة، أهمل المركز التربوي، وفرّغ من مستخدميه. وعلى مدى سنوات لم يدعم لا بشريا ولا ماديا.

 

عشيّة بدء التحضير لمشروع تطوير المناهج، يحتاج المركز التربوي إلى كفايات وخبرات بشريّة متنوعة. ويحتاج أيضا الى توافر الموازنات اللازمة للقيام بالمهام الكثيرة الموكلة اليه. وعلى هذا الصعيد لا بدّ أولا، من اخراجه من المعادلات والتجاذبات السياسيّة، ولا بد من استصدار بعض المراسيم والقوانين الازمة التي تسهّل عمله، وخلق جو سياسي جدّي مؤمن ومدرك لأهميّة هذه المؤسسة الرائدة، ومتبنّي لدعم المركز التربوي ماديا وبشريا من المصادر الداخليّة والخارجيّة.

على هذا المنعطف الحاسم في مسيرة الإصلاح التربوي، تحتاج هذه المؤسسة الى تطبيق العدالة الاجتماعيّة واعطاء كل ذي حق حقّه، والى احتضانها لاسترجاع مكانتها الفعليّة، وعدم احجابها عن تطبيق وظائفها أوالسماح لأي نوع من أنواع الازدواجية التي تتعلّق بمهامها، وذلك انسجاما مع الدستور اللبناني والقوانين والمراسيم المرعية الاجراء.

كما وأنه لا بد من رسم خارطة الطريق لبلوغ هذه التطلعات والإنطلاق من الإنجازات والنجاحات وعدم التنكر لها، وتأمين التراكمية والإستمرارية للمشاريع التربوية، بغض النظر عن الأشخاص في سدة المسؤولية، والشراكة الفعلية والمسؤولة مع المديرية العامة للتربية وكلية التربية في الجامعة اللبنانية، والمؤسسات التربوية الخاصة، والنقابات وروابط المعلمين والمجتمع المدني والبلديات والمؤسسات والإدارات الرسمية ذات الصلة والمنظمات والجمعيات الوطنية والدولية التي تعنى بالتربية.

 

أيها الاعزاء،

يسرنا اليوم أن نحتفل بالعيد 46 لذكرى تأسيس المركز التربوي، برعاية وحضور معالي الوزير الاستاذ مروان حمادة، رأس الهرم التربوي. الذي لا يوفر مناسبة تربوية أو وطنية إلا ويشدد على أهمية دور المركز التربوي في المضي قدماً بورشة تطوير المناهج الوطنيّة. ويعمل على تأمين مستلزمات اطلاقها بالزخم الذي تستحقه. أن دعمكم يا معالي الوزير يعطي المزيد من الدفع المعنوي للمركز التربوي، ويقوي الإنخراط بين القطاعين العام والخاص بهذه الورشة الكبرى ويفتح الافاق لكل جديد أو متجدد.

في هذه المناسبة السعيدة، يحلو لنا أن نتذكر ونذكّر ببعض ما حققناه معاً على الرغم من كل الظروف. فقد وقّع المركز التربوي اتفاقيات ومذكرات تعاون حول مواضيع متعددة منها:

- اطلاق مشروع نموذج الصف التفاعلي،

- تعميم مفهوم وتطبيق المدارس الخضراء،

- تعزيز قراءة اللغة العربية،

- تعزيز التوعية حول الرفق بالحيوان وحماية الحيوانات المهددة بالإنقراض،

- الموارد المفتوحة ونقل المعرفة،

- بذور السلام،

- خدمة المجتمع،

- جودة التعليم وتطوير مراكز الموارد في مراكز التدريب، وغيرها من مذكرات التفاهم.

 

اضافة الى ذلك، عمل المركز التربوي على الكثير من المشاريع، فعلى سبيل المثال لا الـحصر:

- اعاد توصيف مسابقات الامتحانات الرسمية لأكثر مرونة وبدأ التحضير لمشروع توصيف الامتحانات الرسمية لذوي الصعوبات التعلمية،

- أطلق مشروع دليلنا التربوي لدعم الامتحانات الرسمية،

- أعد اقتراح تطوير منهجي التربية الوطنية والفلسفة

- شارك في تنظيم مؤتمر تعليم التاريخ،

-  بدئ العمل على مشروع تحديد الموهبة،

- إطلق الأطر المرجعية للمهن الاربعة مع وزارة التربية،

- وضع هيكلية لمنهج تدريب المعلمين،

- أنجز العديد من الوسائل والانشطة التربوية،

- طوّر بنية منصة الكترونية تفاعلية لمصلحة تدريب أفراد الهيئة التعليمية في تعزيز تعليم اللغة العربية سيتم تحميل الانشطة عليها لاحقا،

- تابع مشروع تعليم اللغة الايطالية،

- إفتتح المبنى الجديد لدار المعلمين والمعلمات في عاليه،

- اعاد العمل على مشروعي النوع الإجتماعي ومخاطر حوادث السير،

- جهز مركز معلوماتي DATA CENTER  ،

- ساهم في انخفاض أسعار الكتب الوطنية بنسبة 10% من خلال مناقصة عمومية

 

كما ومن خلال الاتفاقيات الموقعة بين وزارة التربية والمنظمات الدولية، شارك المركز التربوي في الكثير من الانشطة المتعلقة بمهامه. وغيرها الكثير الكثير من ورش العمل ودورات التدريب والمشاركة في المؤتمرات المحلية والدولية.

وأخيرا، وضع المركز التربوي سلسلة من الأهداف نأمل أن نلقى رعاية معالي الوزير ودعمه لتحقيقها. وكل هذه الانجازات لم تكن لتتحقق لولا فريق عمل المركز التربوي الكفوؤ.

 

أيها المكرمون الأحباء،

في كل سنة تخسر العائلة التربوية والمركز التربوي نخبة من كوادره على المستويات كافة، التربوية والإدارية والفنية، وهذه الخسارة لا يمكن تعويضها لأن لكل منكم بصمته وإسهاماته المشكورة في ميدان عمله. إن المركز التربوي يقدّر عطاءاتكم ويعتز بمسيرتكم ويثمن تضحياتكم السخية للتربية وللمركز وللأجيال في لبنان. وبإسم الجميع أتمنى لكل منكم الصحة والتوفيق والعمر المديد مع أحبائكم، وسوف تبقى نتائج أعمالكم نوراً يرشد من يتسلّم المسؤولية من بعدكم للإستمرار في الخدمة.

 

أيها الأعزاء،

وبمناسبة العيد السادس والأربعون لتأسيس المركز التربوي للبحوث والانماء أود أن أتوجه، هذا العام أيضا، بتحية تقدير ومحبة وعرفان بالجميل نحو جميع الشخصيات التي تعاقبت على رئاسة المركز التربوي، وقد عمل كل منهم بكل جهد ومثابرة من أجل التربية بحسب الإمكانات البشرية والمالية والقرارات السياسية المتوافرة له.

كما أحييك أنتم الذين عملتم وتعملون في هذه المؤسسة على المستويات التربوية والإدارية والإستشارية كافة، وأهنئكم بالذكرى الوطنية المتمايزة وأشكركم على مثابرتهم ومصداقيتكم وتضحياتكم لمؤسستكم رغم الظروف الصعبة والغبن المادي الذي لحقكم على مدى سنوات وما زال.

وأعاهدكم على متابعة الجهد الذي بدأتموه بكل صدق وزخم ومسؤولية من أجل خدمة التربية وأجيال المتعلمين، وبلوغ الانجازات الوطنية المرجوّة. فنحدد الهوية والإنتماء ضمن مناخ من العدالة والمساواة والحرية والديموقراطية والحوار والإنفتاح والمحبة وترسيخ الممارسات الفضلى في احترام الآخر وتطبيق القوانين والمواثيق الوطنية.

 

المركز التربوي في عيده السادس والأربعين مؤسسة ناضجة متألّقة ومفعمة بالحيوية والإنتاج تفتح قلبها لجميع المخلصين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة التجديد التربوي. فلنتمنى للمؤسسة دوام الإزدهار لأن نجاحها يعني نجاحكم ويعني أيضا نهوض التربية وبناء البشر في خدمة بناء الوطن لبنان.

 

في النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة وهي أن المركز التربوي للبحوث والانماء، مثل طائر الفينيق، يحترق ليولد من رماده فينيق جديد متجدد.

 

وكل عام وأنتم بخير، معاً سنستمر في بناء العقل اللبناني ولبنان.

 

"وبالتربية نبني معا"

 

رئيسة المركز التربوي للبحوث والانماء بالتكليف

د. ندى عويجان