الملتقى الأوّل للتّعريف بالموهبة والإبداع في لبنان

كلمة رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء

في الملتقى الأوّل للتّعريف بالموهبة والإبداع في لبنان

الجمعة الواقع فيه 27/10/2017 – فندق ديونز (فردان)

 

 

ينطلق المركز التّربويّ للبحوث والإنماء من مسلّمة جوهريّة مفادها:

 "كلّ متعلّم موهوب"… "ولكلّ متعلّم الحقّ في تعلّم ذات جودة ونوعيّة".

حين نتحدّث عن الموهبة نشير إلى التفوّق والابداع والعبقريّة. ولكن من النّاحية التربويّة، تحتاج المسألة إلى استخدام مؤشرات علميّة لتلك المصطلحات. فعندما نشير إلى المتعلّم المتفوّق نقارب الأداء لجهّة النّتيجة الّتي تدلّ على وجود قدرات عالية ومعدّل ذكاء يفوق المتوسّط بنسبة مرتفعة إضافة إلى مستوى مرتفع في التّحصيل التّعلّميّ.

في هذا السياق، يعتبر بعض الباحثون أنّ المتفوّق موهوب والعكس ليس بالضّرورة أن يكون صحيحًا.

ويعتبر البعض الاخر أن الموهبة نشاط، في حين أنّ التّفوّق هو محصّلة هذا النّشاط.

ويعتبر آخرون أن الوراثة أساس الموهبة والعوامل البيئة هي العمود الفقري للتّفوّق. وغيرها من الآراء.

ورغم اختلاف الباحثين في وضع تعريف محدّد للموهوبين والمتفوّقين، إلاّ أنّهم يتّفقون على أنّ تميّز القدرات الذّهنيّة عند المتعلمين تحتّم ضرورة وجود برامج تربويّة إثرائيّة تطوّر كفاياتهم وتصقّل قدراتهم بما يتناسب وحاجاتهم واستعداداتهم وذكاءاتهم المتعدّدة.

هذا تحديدًا، ما يصبو اليه المركز التربويّ لجهّة تقديم الخدمات التّربويّة لجميع المتعلّمين ومن بينهم الموهوبين.

إذً يشكّل المتعلّم الموهوب والمتفوّق، ثروة وطنيّة تستحقّ الرّعاية التّربويّة، سيّما، وأنّ الاستثمار في الرّأسمال البشري هو أفضل أنواع الاستثمارات وأكثرها ربحًا كونها تعود على الأوطان بالفوائد المادّيّة والمعنويّة وتسهم في التّقدّم العلميّ والتّكنولوجيّ وبالأخص في تحقيق التنمية المستدامة.

من همّ هؤلاء المتعلّمين؟ كيف نرصدهم؟ وكيف نسعى إلى تلبية حاجاتهم في العمليّة التّربويّة؟

الموهوبون هم أفراد يتمتّعون بقدرات تفكير وتعلّم استثنائيّة، وإمكانات إبداعيّة وقياديّة متميّزة، وبكفاءة مرتفعة في مجال محدّد أو أكثر. غير أنّهم يتواجدون في داخل أيّ مدرسة من دون أن نكتشفهم، وربّما يعانون أحيانًا مشاكل سلوكيّة وانفعاليّة ودراسيّة فيرسبون ويتسرّبون.

ويتّصف معظمهم في مرحلة الطفولة :

- بالنّشاط الحركيّ والذّهنيّ،

- بالمرونة في المواقف،

- بالتّمسّك بالمبادئ الأخلاقيّة العامّة،

- بالاعتماد على الذّات،

- وبالقدرة على حلّ المشكلات واستخدام المنطق التّحليليّ.

ويتّصف المتعلّم الموهوب والمتفوّق بشكل عام :

-                         بالجودة في التفكير: المنطق، التّفكير المجرّد، حلّ المشكلات، التّقييم.

-    بالسّهولة في التعلّم: يكتسبون المفاهيم بسرعة ويكتشفون الأخطاء قبل الآخرين.

-    بالقدرات الغويّة المتميّزة: يظهرون تطوّرًا لغويًّا سريعًا وأداء لافتًا في استخدام المفردات اللّغويّة.

-                         بالذاكرة الاستثنائيّة: تركيز وانتباه واسترجاع المعلومات.

-                         بالملاحظة الدّقيقة.

-    بالاهتمام بالأرقام وإمكانات بارزة في التّعامل معها.

-    بالقدرات الخاصّة لجهّة فهم الخرائط والنّماذج والأشكال وتحديد المكان والاتّجاهات.

-                         بالاستخدام المبكر للتّمثّلات الرمزيّة مثال الرّسوم أو الرّموز أو الكتابات المعقدّة والمبهمة.

-    بالدّافعيّة: لديهم الشّغف في اكتساب المعرفة والمثابرة على تحقيق النّجاح.

-                         بالعديد من الاهتمامات والمعارف: تظهر غير اعتياديّة مقارنة بعمرهم.

-    بمرافقة الأكبر سنًّا ما يظهر رغبتهم في تأدية أدوار معقّدة وفي تكوين صداقات ناضجة.

وبغيرها من المؤشّرات الاستثنائيّة: كالنّموّ المبكر، الفضوليّة العلميّة، التّخيّل والإبداع، والرّوح المرحة.

ومن الضروري الاشارة إلى أن بعض المعوّقات الأسرية والاجتماعيّة، قد تسهم في تعطّل فاعليّة الموهبة لدى المتعلّم واكتشافها واستثمارها.

كما وقد تشكّل بعض تصرفات المتعلّم الموهوب عقبة في اكتشاف عبقريّته كالمشاكل السلوكيّة (عدم الرّغبة بالعمل التّشاركي، فقدان الصّبر، الفوضويّة)، والإنطواء، والنموّ الغير متوازن، والصعوبات التعليميّة، وغيرها. لذلك، لا بدّ من العمل على الاجراءات التحفيذيّة الّتي تقدّم للموهوبين الفرص للعب دور فعّال ومنتج في مجتمعهم.

 

من ناحية أخرى، واضافة إلى ما سبق، لا بدّ من التّوقّف عند ثلاث محطات أساسية للمركز التّربويّ، لحظت في خطواتها المتعلّمين الموهوبين.

أولا، خطّة النّهوض التّربويّ الصّادرة عن المركز التربوي العام  1994 (أي منذ حوالي 23 عاما)، والتي لَحظْت في مرتكزاتها "ضرورة الاهتمام بقدرات المواطن ومواهبه وطاقاته الإبداعيّة من خلال تطوير مستمر للمنهج وإعداد برامج خاصّة للمتفوقين بما يتناسب وحاجاتهم من جهة، وبما يخدم المجتمع وسوق العمل والتّقدّم العملي من جهةٍ ثانية". ومن ضمن المحاور الملحوظة في هذه الخطّة توفير الوسائل التّعليميّة الكفيلة بتسهيل التّعليم المختص والّتي تراعي خصوصيّة المتعلّمين ذوي الاحتياجات الخاصّة والصّعوبات التّعلّميّة والموهوبين والمتفوّقين، والتي تضمّنت:

-   إصدار التّشريعات الّتي تكفل رعاية المتفوّقين،

- متابعة حملات الإعلام التّربويّة والتّوجيه والإرشاد للمتعلّمين ذوي الاحتياجات الخاصّة والمتفوّقين،

- تطوير المناهج التّعليميّة بما تتضمّنه من كفايات وأنشطة ومحتوى ووسائل وأدوات وكتب وأدلّة معلّم وتقويم تراعي في مضمونها وشكلها حاجات التّعليم المختصّ ومن فئاته المستهدفة المتعلّم المتفوّق والموهوب.

 

ثانيا، الخطّة الوطنيّة التّربويّة لدمج "ذوي الاحتياجات الخاصّة" الصّادرة عن المركز التّربويّ ووزارة التربية في العام 2012، والتي أشارت الى :

- أهميّة إنشاء قسم أكاديميّ للتّربية المختصّة في المركز التربوي، لوضع مناهج وبرامج ونظم تقويم وامتحانات لمختلف فئات ذوي الاحتياجات الخاصّة (بما فيهم الموهوبين والمتفوّقين).

- ضرورة تحديد الموارد البشريّة اللازمة لعمليّة الدّمج المدرسي وكيفيّة تأمينها وإعدادها وتدريبها (وهي تشتمل المتعلّمين الّذين يحتاجون إلى تربية مختصّة ومن ضمنهم الموهوبين والمتفوّقين

- تطوير البناء المدرسيّ وتكييفه بما يتناسب والمعايير والمواصفات الهندسيّة الّتي تراعي حاجات الفئات المذكورة،

- إصدار مناهج معدّلة للمتعلّمين الموهوبين والمتفوّقين، هذا فضلاً عن إعداد برامج لاصفيّة وتطويرها، كذلك تطوير مقاييس التّقويم التّشخيصي الّذي يرصد الفروقات الفرديّة ويؤسّس لعمليّة التّدخّل التّربوي والنّفسي،

- واعداد دّراسات وأبحاث خاصّة تأخذ ضمن متغيّراتها المتعلّم الموهوب والمتفوّق لرصد المعلومات الكمّيّة والنّوعيّة حوله وتزويدنا بقاعدة بيانات أساسيّة توجّهنا في عمليّتي التّخطيط والتّطوير التّربويَيْنِ.

ثالثا، مشروع تطوير المناهج الذي بدأ التحضير له مؤخرا، وتنبّه المركز التربوي من خلاله، لدور المتعلّمين الموهوبين في تطوير المجتمع وتحسين نوعيّة الحياة على كوكب الأرض. فالموهوب هو ثروة وطنيّة كما أشرنا سابقًا، لذا لا بدّ من :

-   تحديد خصائص الموهوبين والمتفوقين واعتمادها كدليل للكشف عنهم وفهم خصوصيتهم،

-   اعداد منهج تّفاعلي نوعي،

- اعداد برامج رّديفة تلحظ نموّ الموهوبين والمتفوّقين الاجتماعي والنّفسي والشّخصيّ، وتساعد الأهل والمرّبين في رصدهم وفي تقديم الرّعاية المناسبة لهم،

- تّدريب مستمر للمعلّمين يراعي التّعليم المتمايز، ويلحظ العوامل والمتغيّرات الّتي قد تخفي قدرات  هؤولاء المتعلّمين وتطمس مواهبهم،

-   اجراء بحوث تّربويّة تهتمّ بشؤونهم وتكشف عن قدراتهم ومواهبهم،

-   الاستعانة بتّجهيزات وأدوات تّربويّة مخصصة،

- وغيرها من المحاور التي سبق ذكرها والتي تساعد في التّعرّف إلى الموهبة ومجالاتها، من أجل تحديد هويّة المتعلّم الأكاديميّة والاجتماعيّة بشكل صحيح بهدف إعداد الموهوبين والمتفوّقين وتدريبهم ومتابعتهم.

 

ختامًا، كلّنا على يقين أنّ وطننا يعلو بهؤلاء الموهوبين والمتفوّقين والمبدعين، وأنّه يتقدّم بعقول علمائه ومفكّريه ومخترعيه، ويزدهر بالتعاون القائم بين جميع فرقائه.

عشتم وعاشت التّربية وعاش لبنان