مقابلة جريدة القدس العربي مع رئيسة المركز د. ندى عويجان: العولمة وجه آخر للاستعمار والتبعيّة المقنّعة

19-8-2018

 

بيروت ـ «القدس العربي»: في عصر التكنولوجيا الحديثة تكثر التحديات التي يواجهها المجتمع بسبب العولمة التي تترك آثارها السلبية والايجابية على أفراد الأسرة التي تتكوّن منها فئات المجتمع والوطن، ولحماية المجتمع من أخطار العولمة، يعمل المركز التربوي للبحوث والإنماء في لبنان على تطوير المناهج بما يناسب عصر الرقمية، وحاجات المجتمع اللبناني.


ومواكبة لهذه الخطوة الرائدة التي تساهم في بناء مجتمع يحمي نفسه من أخطار العولمة أكدّت رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء في لبنان الدكتورة ندى عويجان «انّ المركز يتطّلع إلى إنجاز تربوي نوعّي مستلهمًا بتنفيذ مشاريعه من التطوير العالمي والتواصل والانفتاح المنشود» ورأت في حديث لـ «القدس العربي» أنّ «بعض الدول أدركت خطورة العولمة على المجال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والديني، وبقي البعض الآخر منبهرا بها وبإغراءاتها، فطورا تأتي باسم التكنولوجيا وآخر باسم القيم الإنسانية أو باسم المواطنة العالمية وانفتاح البلدان على بعضها البعض وغيره من الاغراءات بجميع الأنواع».


وأضافت «عندما تدخل العولمة على المجتمع فتجرّده من ذاته، من معتقداته الدينية، من هويته ومن جذوره، وتُدخله إلى القرية العالميّة من حيث لا يعلم، فيتوه في عالم اللااستقرار واللاانتماء» .


واعتبرت أنّ «العولمة هي وجه آخر للاستعمار والتبعيّة المقنّعة وهي نوع من أنواع التطبيع التكتيكي لمصلحة جهة ما بهدف السيطرة السياسية، والهيمنة والاجتماعية، والاستغلال الاقتصادي» مشيرة في الوقت عينه إلى «أنّ العولمة فرضت وجودها ودخلت إلى جميع المجتمعات بطرائق مختلفة دون استئذان».


وأضافت «في أيامنا هذه، لم يعد الموضوع يتعلق برفضنا أو قبولنا للعولمة، ولكن أصبح السؤال كيف يمكن أن نحمي أنفسنا وأولادنا وعقولهم من أخطار العولمة. وما هي الأدوات التي ستتسلح بها الأسر التي تواجه هذه التحديات؟».


ورأت «أنّ الموضوع ليس بهذه البساطة، إذ إن العولمة تستطيع أن تجتاح معارفنا وميولنا وتصرفاتنا ومواقفنا، وبالتالي تسيطر على جميع جوانب حياة المجتمع ما لم نتدارك الوضع ونضع حدّا له». ولفتت إلى أنّ «هذا الحل لا يمكن أن يتحقق إلا بتضافر الجهود بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني بدعم جدي من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذيّة والقضائية وهيئات الرقابة ووسائل الإعلام، بهدف الحماية والتوعية وتحصين آليات الدفاع».


وأوضحت «أنّ النقطة الأساسية تبدأ من الفرد ومن تكوين شخصية واعية، صلبة وقوية متمسّكة بأصالتها الموروثة مسلّحة بالقيم الروحيّة والمجتمعيّة. شخصيّة مفكرّة، تسمح بالتمييز والتفكير الناقد والتفاعل الإيجابي مع العولمة، مجموعة من المعارف والمواقف والمهارات التي تمكّن الفرد من أن يصنّف ويحدّد عناصر العولمة فيقبل ما يتلاءم مع حاجاته ومبادئه وثقافته ويرفض ما يتعارض معها، فيعرف بالتالي كيف يتغذّى ويستفيد من العولمة والانفتاح من جهة، وكيف يواجه غزوها السلبي محافظًا على الثوابت الأسرية والمجتمعية والثقافية من جهة أخرى».


ولفتت إلى أنّ «أولى خطوات الحماية والتوعية هي المناعة التي يمكن أن يتسلّح بها الفرد للوصول إلى أبناء مجتمع محصّنون تجاه الأفكار وموجات الموضة الآتية من كل حدب وصوب بشتى أنواعها وأشكالها، فلا يرفضونها متقوقعين منعزلين ولا يتبنّونها مهلّلين، وثانيها هو التعارض القائم بين التنشئة الأسرية والمدرسية وتأثير وسائل التواصل الرقمية وغير الرقمية وما تُسوَّق له في العالم الافتراضي بفعل سعة وسرعة انتشارها».


وأشارت إلى أنّ «تكوين هذه الشخصية الأساسية في المجتمعات تتجلى في التنشئة الاجتماعية وخاصة في المناهج التربوية وفي سمات المتعلّم الذي نريد».


وأكدت الدكتورة عويجان لـ «القدس العربي» أنّ «المركز التربوي للبحوث والإنماء يتطّلع إلى انجاز تربوي نوعّي مستلهمًا في تنفيذ مشاريعه التطوير العالمي والتواصل والانفتاح المنشود محافظًا على انغراس الفرد بهويته وثقافته وأرضه ورموز بلده، انغراسا حياّ صادقا وواعيا. ومن هنا ينطلق تفكيرنا إلى أنسنة التعليم بهدف بناء الإنسان كقيمة بذاته وكفرد ملتزم تجاه الجماعة الإنسانية والوطنية، يحافظ على فرادته ويعي مخاطر ضياع هويته في خضم العولمة».


وأضافت «وفي خضم التحضير لورشة تطوير المناهج، حدّد المركز التربويّ سمات متعلّم القرن الحادي والعشرين الذي يتطلّع إلى تكوينه بالشراكة مع الأهل والمجتمع، ويسعى المركز كذلك، إلى تطوير منظومة تربويّة تترجم رؤيته مركّزاً في تكوين متعلّم متفكّر ذو تفكير ناقد قادر على تحليل كلّ معلومة ومعالجتها قبل رفضها أو تبنيها، متعلّم مبدع يساهم في إنتاج المعرفة ولا يكتفي باستهلاكها وفي المشاركة في بناء الحضارة العالمية بدل الذوبان في العولمة، مواطن ملتزم القيم الإنسانيّة والوطنيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة ما يشكّل حصنه المنيع من الضياع ومرجعيّته في اتخاذ القرارات واعتماد السلوك الملائم في حلّ مشكلاته الشخصيّة والمهنيّة وفي مواقفه الوطنيّة والإنسانية».


وأكدت رئيسة المركز التربوي «أنّ المتعلّم الذي نطمح إلى تكوينه بالشراكة مع جميع المعنيين بالشأن التربويّ هو مواطن يمتلك مهارات القرن الواحد والعشرين فيتواصل مع العالم ويتفاعل معه ويحاوره ويناقشه ويتطوّع للمشاركة في إيجاد الحلول للمشكلات الإنسانية والاجتماعيّة وسواها استناداً إلى منظومة أخلاقيّة تبنّاها» وأشارت إلى «أننا نرى في هذا المواطن جسر عبور للبنان الآمن إلى عصر العولمة وعنصر إنقاذ للأسرة يعيد إليها تماسكها بعد أن بات مفهوم الأسرة معرضًا للتفكّك والضياع».


وعن تحديات تتعلق بتمويل مشروع تطوير المناهج؟
تجيب الدكتورة عويجان «أنّ مشروع تطوير المناهج بدأ في آذار من العام 2015 مع انعقاد مؤتمر (كلنا للعلم) حيث تحّول المركز التربوي منذ ذلك التاريخ إلى خلية نحل، وهو يتابع التزامه بدوره في تطوير التعليم في لبنان. لقد مرت ثلاث سنوات على الانطلاق في فكرة هذا المشروع، تمّ في خلالها إنجاز الكثير من التحضيرات وورش العمل، وذلك في غياب الدعم المنشود».


وهنا سألت «لماذا تبقى السياسة والقضايا التربوية بعيدة عن أولويات الحكومة، لا سيما وأنها هي السبيل إلى بناء شخصية الإنسان وتكوين المواطن، وتحصينه للصمود والتصدي للتحديات الداخلية والخارجية؟ ولماذا لا يتم وضع مشروع تطوير المناهج في سلم الأولويات في السياسة الانمائية حيث أن بناء الوطن يبدأ من بناء المواطن؟ ولماذا للأسف ننتظر أموال الهبات والقروض الدولية لتطوير مناهجنا؟».


وأضافت «هذا الوضع يواجه تحديّات عديدة تتعلّق بالحصول على تمويل لا يقيّد حريتنا في اختيار أولوياتنا، تحدي اتخاذ قرارات وطنية، جديّة وحكيمة تشبهنا وتشبه مجتمعنا، وذلك منعًا لأي نوع من أنواع الهيمنة والتطبيع التربوي على مبدأ من يدفع يأمر، فيكون ظاهريًا تمويلاً داعما للقطاع التربوي وضمنيا تمويلا مشروطًا يتعارض حينا مع الأنظمة والقوانين اللبنانية وحينا آخر مع الأهداف والأولويات والحاجات الوطنية».


ورأت أن «تطوير مناهجنا يعني تطوير ثقافتنا، معارفنا، طريقة حياتنا، وميولنا، ومواقفنا ومصيرنا. إن تطوير مناهجنا يعني أيضاً التصدي للعولمة المدمرة، لكي لا تجتاح بلدنا وتدخل عقول أولادنا. إن تطوير مناهجنا يعني كل إنسان لبناني مؤمن بلبنان الوطن الحر المستقل لجميع أبنائه. فبالتربية نبني معاً، هذا هو شعارنا، التعاون والمشاركة».


وكشفت انه «تمّ إبرام اتفاقيات مع البنك الدولي لمصلحة القطاع التربوي، البعض منها قروض والآخر هبات لم يصل منها فلس للمركز التربوي، وآخر هذه الاتفاقيات كانت تلك المتعلقة بمشروع S2R2 وتشمل قرض وهبتين بقيمة 204 ملايين دولار أمريكي بين الجمهورية اللبنانية والبنك الدولي بموجب مراسيم بتواريخ متعددة (القرض بتاريخ 25 ـ 4 ـ 2017. والهبتان بتاريخ 17/9/2017 و10/10/2017) لدعم التربية في لبنان». ولفتت إلى انه «بعد مرور أكثر من سنة على اصدار المراسيم أعلاه وبعد أن أنجز المركز التربوي للبحوث والإنماء كامل الإجراءات اللازمة، لم يتمّ حتى اليوم تحويل أي مبلغ إلى الحساب الخاص لهذا المشروع في مصرف لبنان مع الإشارة إلى أن التأخير والمماطلة سيؤديان إلى عدم استعمال مال الهبات وتحميل موازنة الدولة أعباء ديون لن تستطيع أن تسددها». وأوضحت «أنّ الهبتين المذكورتين أعلاه تنتهي صلاحيتها، نهاية عام 2019 فيما يستمر القرض لمدة ثلاث سنوات حتى نهاية 2022».


وختمت بالقول أن «المركز التربوي للبحوث والإنماء لا يمكنه أن ينجز مشروع تطوير المناهج بمعزل عن التمويل، لذلك كنّا نتمنى أن تخصص الدولة من موازناتها اعتمادات للتربية لوضع نظام تعليمي يليق بمجتمعنا وثقافتنا».